علم النفس

الصحة النفسية في سوريا بعد الحرب

فن

فريق ناضج

4 دقيقة قراءة

الصحة النفسية في سوريا بعد الحرب

في دمشق اليوم، تجاور القبورُ الطازجةُ بيوتًا ما زال أصحابها يحاولون تعلّم كيف يعيشون فيها من جديد

الحرب توقفت على الورق، لكنّ أثرها ما زال يسري في الأجساد والعقول، صامتًا، غير مرئي، لا يظهر في نشرات الأخبار ولا في تقارير إعادة الإعمار. هذا هو الوجه الآخر للأزمة السورية: أزمة لا تُقاس بعدد الأبنية المهدّمة، بل بعدد القلوب التي لم تعد تعرف كيف تطمئن.

حجم الأزمة بالأرقام

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن واحدًا من كل ثلاثين سوريًا يعاني من اضطراب نفسي حاد كالاكتئاب الشديد أو الذهان، بينما يعاني واحد من كل خمسة سوريين من اضطرابات نفسية متوسطة كالقلق أو الاكتئاب الأقل حدة. وفي تقدير آخر أحدث، تضع المنظمة النسبة عند اضطراب نفسي واحد تقريبًا لكل عشرة سوريين.

وتؤكد هذا الاتجاه بيانات «معهد قياسات الصحة وتقييمها» (IHME) ضمن دراسة العبء العالمي للأمراض لعام 2023، التي وضعت سوريا في المرتبة الأولى عالميًا من حيث معدل انتشار الاكتئاب بنسبة 8.44% من السكان، متقدمة على دول تعيش هي الأخرى ظروف نزاع أو أزمات إنسانية. وتوضح الدراسة أن هذا الترتيب لا يعكس بالضرورة أن الدول الأدنى في القائمة أقل معاناة، إذ يلعب التشخيص والوعي المجتمعي بالمرض النفسي دورًا في ظهور الأرقام أو اختفائها.

أما على صعيد التوثيق الرسمي المحلي، فقد أظهرت بيانات المكتب المركزي للإحصاء أن العيادات الحكومية والخاصة في سوريا قدّمت، بين عامي 2012 و2022 فقط، خدمات نفسية لنحو 261 ألف حالة، وهو رقم يعكس، بحسب متابعين، تقصيرًا واسعًا في منظومة الرعاية النفسية طوال سنوات الحرب. وتقدّر تقارير إعلامية أن أكثر من مليون سوري يعانون اليوم من اضطرابات نفسية ناجمة عن الحرب والتهجير، بأعراض تمتد من العدوانية إلى الانسحاب الاجتماعي.

جذور الألم

لا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن السياق الذي أنتجها. فسوريا تخرج اليوم من عقود من القمع وحرب طويلة، وتواجه تركة نفسية ثقيلة من العنف والتوتر الطائفي وعودة اللاجئين، إلى جانب انتشار متزايد للمخدرات. هذه العوامل مجتمعة تجعل من المرحلة الانتقالية الحالية اختبارًا مضاعفًا: فالناس مطالَبون بالتعافي من الماضي وبناء المستقبل في آنٍ واحد، وسط انهيار اقتصادي وتراجع في الخدمات الأساسية لم يتوقف بعد.

ويبدو أثر هذا الضغط جليًا في مؤشرات أكثر تطرفًا؛ إذ وثّقت جهات رصد ميدانية تسجيل 29 حالة انتحار منذ بداية عام 2026 وحده، بينهم قاصران، موزعة على مناطق سورية مختلفة، وهو ما تصفه هذه الجهات بمؤشر على تحوّل الانتحار من حادثة فردية نادرة إلى ظاهرة متكررة ترتبط بثقل الظروف المعيشية والنفسية معًا.

الفئات الأكثر هشاشة

لا تصيب هذه الأزمة السوريين بالتساوي. فمن عاشوا الاعتقال يواجهون طريق تعافٍ طويلًا ومعقدًا، والأطفال الذين كبروا وسط القصف والنزوح يحملون ندوبًا قد لا تظهر إلا بعد سنوات، والعائدون من بلاد اللجوء يجدون أنفسهم أمام وطن لم يعودوا يعرفون تفاصيله. لكل فئة من هذه الفئات احتياجات نفسية خاصة، وغياب برامج دعم موجَّهة لها يعني ترك جراح كثيرة بلا علاج.

الوصمة وضعف المنظومة الصحية

يبقى التحدي الأكبر، بحسب متابعين للملف، هو إقناع المرضى أنفسهم بطلب العلاج، بسبب الوصمة الاجتماعية المحيطة بالمرض النفسي. هذه الوصمة لا تقل خطورة عن نقص الكوادر والمراكز المتخصصة؛ فكثيرون يفضّلون الصمت على مواجهة نظرة المجتمع، فتتراكم المعاناة إلى أن تنفجر في أشكال أكثر حدّة.

بارقة أمل

رغم قتامة الصورة، ثمة تحرك ملحوظ نحو إعادة البناء. فبعد سقوط النظام السابق ورفع بعض العقوبات، باتت هناك فرصة لإصلاح المنظومة الصحية وتطوير قطاع الصحة النفسية، عبر بناء قيادة وطنية وتفعيل استراتيجية وطنية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وتعزيز دور المجتمع المدني. كما برزت مبادرات محلية تصف الصحة النفسية بأنها ركن أساسي لإعادة بناء الإنسان وترميم النسيج المجتمعي، عبر تأهيل الكوادر وبناء القدرات وربط هذا القطاع بالسياسات العامة.

هذه الخطوات ما زالت في بداياتها، لكنها تفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل يمكن لأمّة أن تُبنى من جديد قبل أن تلتئم جراح أبنائها الداخلية؟ الإجابة، على الأرجح، تبدأ من هنا: من الاعتراف بأن الصحة النفسية ليست ترفًا في زمن الأزمات، بل شرطًا أساسيًا لأي تعافٍ حقيقي.

إذا كنت تمرّ بضيق نفسي، لا تتردد في التحدث إلى مختص أو إلى شخص تثق به.

المصادر

  • منظمة الصحة العالمية (المكتب الإقليمي لشرق المتوسط) – الصحة النفسية في حالات الطوارئ
  • معهد قياسات الصحة وتقييمها (IHME) – دراسة العبء العالمي للأمراض 2023، عبر Our World in Data
  • العربي الجديد – الاضطرابات النفسية... خسائر غير مرئية للصراع السوري
  • المرصد السوري لحقوق الإنسان – توثيق حالات الانتحار في سوريا 2026
  • سوريا تي في (ترجمة عن New Lines Magazine) – الصحة النفسية في سوريا: معركة إعادة بناء المستقبل
  • وكالة سانا – الصحة النفسية أولوية في مسار التعافي الوطني
#الصحة النفسية سوريا الاكتئاب الصدمة النفسية ما بعد
فن

فريق ناضج

calendar_monthنُشر في