مقدمة
في كل بيتٍ غرفةٌ مغلقة، وفي كل إنسانٍ حكايةٌ لم يروِها لأحد. نخبّئها لأننا نخاف أن نُحاسَب أو نُفهَم خطأً، أو أن تتحول أوجاعنا إلى حديث الناس. ثم نجلس في غرفة العلاج النفسي أمام شخص غريب، ونفتح له ما أغلقناه سنوات. لا يحدث ذلك صدفة. نفعله لأن هناك وعداً غير مكتوب بأن ما يُقال هنا يبقى هنا. هذا الوعد هو السرية، وهو الأرض التي يقوم عليها العلاج النفسي كله. في هذا المقال نعرف معنى السرية، وما الذي تشمله، ومتى لا تكون مطلقة، وكيف تُحمى.
أولاً: ما المقصود بالسرية؟
السرية في العلاج النفسي واجب أخلاقي ومهني على المعالج، وهو أن يحمي كل ما يعرفه عن المراجِع (المعلومات والتفاصيل والسجلات) وألا يكشفه لأحد دون موافقته. ويخلط الناس بين ثلاثة مفاهيم مترابطة:
- الخصوصية (Privacy): حق الإنسان في التحكم بما يُعرف عنه ومن يعرفه.
- السرية (Confidentiality): التزام المعالج بحماية ما أُودع عنده من معلومات.
- الامتياز القانوني (Privilege): حق قانوني يمنع إجبار المعالج على الإدلاء بما دار في الجلسات داخل المحاكم، وتختلف أحكامه من بلد إلى آخر.
ومن الدقة أن نعرف أن السرية التزام على المعالج، لا على المراجِع. فالمراجِع حرٌّ في أن يتحدث عن جلساته مع من يشاء.
ثانياً: لماذا هي أساس العلاج؟
العلاج النفسي يقوم على الصدق، والصدق يحتاج إلى أمان. إذا خاف المراجِع أن يُكشف كلامه، فسيحذف أو يجمّل أو يسكت عن أكثر ما يحتاج إلى علاج. وتغيب السرية فتغيب الثقة، وتتضرر العلاقة العلاجية التي تُعدّ من أهم عوامل نجاح العلاج. ولذلك تجعل المدونات الأخلاقية للمهنة حماية السرية التزاماً أساسياً.
كما أن الخوف من الوصمة الاجتماعية قد يمنع كثيرين من طلب المساعدة أصلاً، وطمأنتهم إلى السرية تخفف هذا العائق.
ثالثاً: ما الذي تشمله السرية؟
- محتوى الجلسات وكل ما يقوله المراجِع أو يكشفه.
- السجلات والملاحظات المكتوبة والإلكترونية.
- هوية المراجِع، ويُعدّ كونه يتلقى علاجاً أصلاً معلومة محمية. فلا يؤكد المعالج لأحد أن شخصاً ما يراجعه دون إذنه.
- نتائج التقييمات والاختبارات النفسية.
وفي الحياة العامة، إذا صادف المعالج مراجِعه في الشارع، فالأصل أن ينتظر المراجِع هو أن يبدأ بالتحية، حمايةً له من أي موقف محرج.
رابعاً: متى لا تكون السرية مطلقة؟
هذه نقطة جوهرية، وأخطر ما فيها أن يظن المراجِع أن السرية بلا حدود. تنص المدونة الأخلاقية للجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) على أن المعالج يناقش مع المراجِع حدود السرية في بداية العلاقة العلاجية، وهذا جزء من الموافقة المستنيرة. وتختلف هذه الحدود بحسب القانون المحلي في كل بلد، لكن أشهرها:
- خطر جدي على حياة المراجِع. إذا وُجد خطر حقيقي ووشيك بأن يؤذي نفسه، فقد يضطر المعالج إلى اتخاذ خطوات لحمايته، ومنها إشراك جهات أخرى. ويكون ذلك في أضيق نطاق، وبعد محاولة إشراك المراجِع نفسه في خطة الحماية متى أمكن.
- خطر جدي على الآخرين. منذ قضية تاراسوف ضد جامعة كاليفورنيا (1976) رسّخ القضاء الأمريكي مبدأ أن للمعالج واجب اتخاذ خطوات معقولة لحماية شخص محدد الهوية معرّض لتهديد حقيقي بالعنف من مراجِعه. ويختلف نطاق هذا الواجب وشروطه من ولاية إلى أخرى، وليس كل بلد يأخذ به بالصيغة نفسها.
- الإبلاغ الإلزامي عن إساءة المعاملة. تُلزم قوانين كثيرة المعالجين بالإبلاغ عند الاشتباه بإساءة معاملة طفل أو شخص ضعيف أو عاجز عن حماية نفسه، وتختلف التفاصيل بحسب البلد.
- الأوامر القضائية والإلزام القانوني. قد يُلزم القانون المعالج بالكشف في ظروف محددة. وتتيح المدونة الأخلاقية للمعالج أن يحاول أولاً حماية السرية بالطرق المشروعة قدر الإمكان.
- موافقة المراجِع الخطية. يستطيع المراجِع أن يأذن كتابةً بمشاركة معلومات محددة مع جهة محددة، كطبيب آخر أو جهة تأمين، ويستطيع سحب هذا الإذن متى شاء.
- المراجعون القُصّر. غالباً يكون لأولياء الأمور حق معرفة أمور تتعلق بعلاج أبنائهم، لكن حدود ذلك وتفاصيله تختلف بحسب العمر والقانون. ويحرص المعالجون الجيدون على التوازن بين حق الأهل في الاطلاع وحاجة الطفل أو المراهق إلى مساحة آمنة، ويتفقون على ذلك مع الطرفين مسبقاً.
وحتى في هذه الحالات، تؤكد المدونة الأخلاقية أن الكشف يكون بالقدر اللازم فقط لتحقيق الغرض، لا أكثر.
خامساً: السرية في حالات خاصة
- العلاج الزوجي والأسري والجماعي: الأطراف كلها مراجعون، ومن الضروري أن يُتفق في البداية على قواعد التعامل مع المعلومات المشتركة، ومنها كيف يتعامل المعالج مع ما يخبره به أحد الأطراف على انفراد. كما أن المشاركين في العلاج الجماعي يُطلب منهم عادةً احترام سرية بعضهم، لكن المعالج لا يستطيع ضمان التزام الجميع.
- الاستشارة والإشراف المهني: قد يعرض المعالج حالةً على زميل أو مشرف طلباً للرأي، ويفعل ذلك دون كشف هوية المراجِع، وفق ما تنص عليه المدونة الأخلاقية. وهذا من الأمور التي ينبغي أن تُذكر للمراجِع من البداية.
- التسجيل الصوتي أو المرئي: لا يسجّل المعالج الجلسات إلا بموافقة مسبقة من المراجِع.
- الكتابة والتدريس والنشر: لا تُستخدم معلومات المراجِع في هذه الأغراض إلا بعد إخفاء الهوية بشكل كافٍ أو بموافقته.
- التأمين والفواتير: إذا استُخدم التأمين الصحي، فقد تحتاج الشركة إلى بعض المعلومات، ويُخبَر المراجِع بذلك مسبقاً.
سادساً: السجلات والعلاج عن بُعد
على المعالج حفظ السجلات بطريقة تحميها من الاطلاع غير المصرح به، سواء كانت ورقية أو إلكترونية، وفق ما تنص عليه المدونة الأخلاقية. وفي الولايات المتحدة، تمنح قواعد الخصوصية في قانون HIPAA حمايةً إضافية لـ«ملاحظات العلاج النفسي» (Psychotherapy Notes) وتشترط عموماً إذناً خاصاً للكشف عنها.
وفي العلاج عن بُعد، ينبغي أن يُبلَّغ المراجِع بمخاطر الخصوصية الخاصة بالوسائل الإلكترونية. ومن الاحتياطات المفيدة: استخدام منصات مخصصة لهذا الغرض، والجلوس في مكان خاص، واستخدام سماعات، والانتباه إلى أن من يشاركك الجهاز أو الشبكة قد يطّلع على بعض ما تفعل.
سابعاً: مفاهيم شائعة خاطئة
- «المعالج سيخبر أهلي بكل شيء»: هذا غير صحيح. فالأصل هو الكتمان، والاستثناءات محدودة ومحددة.
- «لا حدود للسرية على الإطلاق»: هذا أيضاً غير صحيح، لما سبق من حالات الخطر والإلزام القانوني.
- «الكلام عن أفكار مؤلمة سيعرّضني للإبلاغ»: التحدث عن مشاعر صعبة، بما فيها أفكار مؤلمة، لا يعني تلقائياً أي كشف. المعيار هو وجود خطر جدي حقيقي، والمعالج يقيّم الحالة ويناقشها معك أولاً قدر الإمكان. وفتح هذه الأمور هو في الغالب ما يُطلب في العلاج.
ثامناً: كيف تتأكد من حماية سريتك؟
- اسأل معالجك في الجلسة الأولى عن حدود السرية بوضوح، فهذا حقك وهو جزء من واجبه.
- اسأل عن طريقة حفظ السجلات ومن يستطيع الاطلاع عليها.
- اسأل كيف يتعامل مع التواصل خارج الجلسات كالرسائل والمكالمات.
- لا تقدّم إذناً بمشاركة معلومات إلا بعد أن تفهم ما سيُشارَك ولمن ولماذا.
- إذا شعرت بأن سريتك انتُهكت، فمن حقك مناقشة ذلك مع معالجك أو مع الجهة المهنية المرخِّصة في بلدك.
تاسعاً: السرية في السياق السوري
الحماية القانونية. يتناول قانون العقوبات السوري (الصادر عام 1949) إفشاء الأسرار في المادة 565، وفيها أن من علم بسرٍّ بحكم وظيفته أو مهنته أو فنه ثم كشفه دون سبب مشروع، أو استعمله لمنفعة نفسه أو غيره، عوقب إذا كان فعله قد يُلحق ضرراً ولو كان معنوياً. وهذه المادة لا تذكر المعالج النفسي بالاسم، لكنها عامة تشمل كل من ائتُمن على سرٍّ بحكم مهنته. وبحسب دراسة قانونية سورية، اقتبس المشرّع السوري هذا التجريم عن التشريع الفرنسي.
معنى عبارة «سبب مشروع». وجود هذه العبارة يعني أن الكتمان ليس مطلقاً في القانون السوري أيضاً. فالكشف بموافقة صاحب السر، أو لحماية حياة، أو بموجب نص قانوني أو قرار قضائي، قد يدخل في «السبب المشروع». وتقدير ذلك في كل حالة يعود إلى القضاء وإلى القانون المطبق وقت الواقعة.
الواقع الاجتماعي والمهني. يقول رئيس الرابطة السورية للأطباء النفسيين إن الصحة النفسية مجال حديث نسبياً في سوريا، وإن عدد الأطباء النفسيين حتى عام 2011 لم يتجاوز نحو 120 طبيباً. وفي مجتمع تقل فيه الخدمات النفسية وتكثر فيه الوصمة، يصبح وعد السرية من أهم ما يشجع الناس على طلب المساعدة.
خلاصة عملية للمراجِع في سوريا:
- اسأل أخصائيك في الجلسة الأولى عن حدود السرية وعن طريقة حفظ الملفات.
- تأكد أن الجهة التي تراجعها مرخَّصة.
- لا توقّع على إذن بمشاركة معلوماتك قبل أن تفهم مضمونه.
خاتمة
السرية في العلاج النفسي وعدٌ مهني وإنساني: أن تُحفظ الأسرار، وأن يُقال الصدق بلا خوف. ومع ذلك فهي ليست جداراً بلا أبواب، فلها حدود وُضعت لحماية الأرواح، وتُشرح للمراجِع من البداية حتى يدخل العلاج وهو مطمئن وعارف. وحين يتحقق هذا التوازن، تصير غرفة العلاج ملاذاً حقيقياً للبوح.
المصادر
- American Psychological Association. (2017). Ethical Principles of Psychologists and Code of Conduct (2002, amended effective June 1, 2010, and January 1, 2017). Standards 1.02, 4.01–4.07, 6.02, 10.01, 10.02.
- American Counseling Association. (2014). ACA Code of Ethics. Section B: Confidentiality and Privacy.
- Tarasoff v. Regents of the University of California, 17 Cal.3d 425 (1976).
- Jaffee v. Redmond, 518 U.S. 1 (1996).
- U.S. Department of Health and Human Services. HIPAA Privacy Rule, 45 CFR Parts 160 and 164.
- Corey, G., Corey, M. S., Corey, C., & Callanan, P. (2019). Issues and Ethics in the Helping Professions (10th ed.). Cengage Learning.
- Pope, K. S., & Vasquez, M. J. T. (2016). Ethics in Psychotherapy and Counseling: A Practical Guide (5th ed.). Wiley.
- قانون العقوبات السوري (1949)، المادة 565 (إفشاء السر المهني).
- الشعراني، «جريمة إفشاء السر المهني»، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية، سلسلة العلوم الاقتصادية والقانونية.
- عنب بلدي، «طبيب أم معالج نفسي.. لمن نتوجه ومتى؟». رابط المصدر
